كركوك… ناقوس الخطر الذي قرأه تحسين كهية مبكراً

قراءة في الأرشيف | من ذاكرة «الدليل» – كانون الثاني 2004

في عددها (59) الصادر في كانون الثاني عام 2004، توقفت صحيفة «الدليل» عند المشهد السياسي والأمني في كركوك، من خلال لقاء مع السيد تحسين كهية، الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس مجلس إدارة كركوك، وهو اليوم نائب الامين العام للاتحاد الإسلامي لتركمان العراق.

جاء اللقاء في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ المدينة، بعد سقوط النظام السابق، وفي ظل انتقال العراق إلى مرحلة سياسية جديدة، كانت ملامحها لا تزال تتشكل وسط توترات أمنية وسياسية واجتماعية متصاعدة.

في ذلك الحوار، لم ينظر كهية إلى ما يجري في كركوك بوصفه أحداثاً أمنية عابرة، بل وصفها بوضوح بأنها «ناقوس خطر على الأمن والاستقرار»، محذراً من أن استمرار التوتر يمكن أن يدفع الصراع في المدينة إلى أنماط جديدة أكثر تعقيداً.

ولعل أهم ما يلفت في تلك الرؤية، بعد أكثر من عقدين، هو إدراكها المبكر لطبيعة كركوك الخاصة؛ فهي، بحسب ما طرحه كهية، ليست مدينة يمكن التعامل مع قضاياها بمنطق الغلبة أو الإقصاء، وإنما مدينة متعددة المكونات، يتطلب استقرارها الحفاظ على ما وصفه بـ«موزائيك الجميع»، والاعتراف بحقوق سكانها على أساس المساواة.

ومن هنا جاء تأكيده أن التنافس السياسي في كركوك ينبغي أن يكون تنافساً سلمياً، وأن تتحول المدينة إلى نموذج للتآخي والمحبة، لا إلى ساحة للصراع بين مكوناتها.

واللافت أكثر أن الحل الذي طرحه كهية لم يكن أمنياً صرفاً. ففي مواجهة التوترات، أكد أن الحوار المشترك والجلوس إلى طاولة البحث هو الطريق الأسلم لمعالجة ملف كركوك، بعيداً عن الإكراه ومنطق فرض الإرادات. وهي رؤية تكشف عن فهم مبكر بأن أمن المدينة لا يمكن أن يستقر بمعالجة مظاهر الأزمة فقط، بل بمعالجة أسبابها السياسية والاجتماعية أيضاً.

وفي جانب آخر من المقابلة، تحدث كهية عن إدارة المدينة والخدمات المقدمة للمواطنين، مؤكداً أن مسؤولية الإدارة تتمثل في الاستماع إلى الناس ودراسة احتياجاتهم والبحث عن حلول ضمن الإمكانات المتاحة. كما أشار إلى أهمية فتح أبواب الإدارة أمام المواطنين، باعتبار أن التواصل المباشر معهم جزء أساسي من بناء الثقة في مرحلة انتقالية مضطربة.

أما في ما يتعلق بالمستقبل السياسي للتركمان، فقد ربط كهية موقف الاتحاد بتاريخ طويل من المواجهة مع النظام السابق وما خلّفته تلك المرحلة من تضحيات، مؤكداً أن الحفاظ على حقوق التركمان يجب أن يكون جزءاً من بناء العراق الجديد، وفي إطار العراق الموحد والدستور القادم.

كما تناول اللقاء تجربة «لجنة الحرية» وآلية اختيار مديري الدوائر الحكومية، باعتبارها محاولة لإيجاد آلية أكثر انفتاحاً وعدالة في اختيار الكفاءات، وإتاحة المجال أمام أبناء المدينة للمشاركة في إدارة مؤسساتها. وتحدث كذلك عن دور الأحزاب والقوى السياسية، داعياً إلى أن يكون حضورها عاملاً في ترشيد العمل الحكومي وتعزيز التفاهم الوطني، لا سبباً في تعميق الانقسام.

وبالعودة إلى هذا النص الأرشيفي اليوم، تبدو أهمية المقابلة أكبر من مجرد كونها حديثاً سياسياً عابراً في مرحلة انتقالية. فهي توثق جانباً من رؤية تركمانية مبكرة تجاه كركوك، تقوم على ثلاث أفكار واضحة: حماية حقوق المكونات، الاحتكام إلى الحوار، والحفاظ على وحدة العراق واستقراره.

لقد كان تحسين كهية يقرأ كركوك في لحظة كانت فيها المدينة تقف أمام مفترق طرق. وما وصفه آنذاك بـ«ناقوس الخطر» لم يكن مجرد توصيف لحدث أمني، بل تعبيراً عن خشية من أن تتحول التوترات السياسية إلى أزمة أعمق تمس علاقة مكونات المدينة بعضها ببعض.

وبعد مرور السنوات، تبقى تلك الكلمات جزءاً من ذاكرة كركوك السياسية، وتبقى صفحات «الدليل» شاهداً على مواقف ورؤى تركمانية حاولت، في لحظة مبكرة، أن تضع الحوار والتفاهم والشراكة في مواجهة منطق الإكراه والغلبة.

المصدر: صحيفة «الدليل»، العدد (59)، السنة الرابعة عشرة، كانون الثاني 2004، ص3.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *