مطالب التركمان والتمثيل السياسي في العراق الجديد برؤية الدكتور عباس البياتي

قراءة في الأرشيف | مطالب التركمان والتمثيل السياسي في العراق الجديد

عباس البياتي: المشاركة السياسية والتمسك بالهوية الوطنية العراقية طريقاً لبناء الدولة

في عددها الصادر عام 2004، نشرت جريدة «الدليل» تغطية لمحاضرة ألقاها الأمين العام السابق للاتحاد الإسلامي لتركمان العراق، عباس البياتي، في كلية العلوم السياسية بجامعة بغداد، تناول فيها واقع التركمان ومطالبهم السياسية في مرحلة جديدة من تاريخ العراق.

وجاءت المحاضرة في سياق سياسي شديد التحول، عقب سقوط النظام السابق، وفي وقت كان فيه العراق يعيد تشكيل مؤسساته السياسية والدستورية، بينما كانت المكونات العراقية تبحث عن موقعها في الدولة الجديدة وآليات ضمان مشاركتها في صناعة القرار.

المشاركة السياسية بوصفها مدخلاً للتمثيل

بحسب ما نقلته «الدليل»، ركز البياتي على ضرورة رفع نسبة مشاركة التركمان في المجلس التشريعي، معتبراً أن المشاركة السياسية الفاعلة تمثل أحد المسارات الأساسية للحضور التركماني في مؤسسات الدولة.

وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن مطالب التركمان كانت، في تلك المرحلة، متواضعة قياساً إلى مطالب مكونات أخرى، وهو ما يعكس توجهاً نحو المطالبة بالحقوق السياسية من خلال المؤسسات والآليات الدستورية، لا خارج إطار الدولة.

وتكشف هذه الرؤية عن إدراك مبكر لأهمية الانتقال من مجرد المطالبة بالحقوق إلى تحويل الحضور المجتمعي إلى حضور سياسي ومؤسسي قادر على التأثير في صناعة القرار.

الهوية الوطنية ومسألة التوازن

لم تكن المشاركة السياسية، وفق ما تعكسه المادة المنشورة، منفصلة عن تصور أوسع لمستقبل العراق. فقد شدد البياتي على أن الهوية الوطنية العراقية هي الطريق الأسلم لقيادة البلد، في إشارة إلى ضرورة بناء الدولة على أساس المواطنة والتعايش بين مكوناتها.

وفي حديثه عن التجربة التركمانية، استحضر البياتي ما وصفه بتجارب وممارسات سياسية وثقافية تركمانية، مشيراً إلى أهمية الاستفادة من التجربة التاريخية للمجتمع التركماني في بناء حضوره ضمن العراق الجديد.

كما تناولت المحاضرة قضايا تتصل بالدستور، وشكل الدولة، والتمثيل السياسي، والأوضاع الأمنية، وهي ملفات كانت في ذلك الوقت جزءاً من النقاش الأوسع حول مستقبل العراق ومؤسساته.

من مطالب المكوّن إلى المشاركة في بناء الدولة

عند قراءة هذه المادة اليوم، تبدو أهميتها في أنها توثق مرحلة مبكرة من النقاش التركماني حول شكل الحضور السياسي في عراق ما بعد 2003.

فالمادة لا تقدم المطالب التركمانية باعتبارها شأناً منفصلاً عن مستقبل الدولة، بل تربط بين حماية الخصوصية التركمانية وبين المشاركة في المؤسسات الوطنية، وبين الحقوق الخاصة بالمكوّن وبين الهوية العراقية الجامعة.

وهذه نقطة تستحق التوقف عندها؛ فالرؤية التي تنقلها «الدليل» عن البياتي تقوم على معادلة واضحة: حضور تركماني فاعل داخل الدولة، مع الحفاظ على الهوية والخصوصية، في إطار الهوية الوطنية العراقية.

ماذا تقول لنا هذه المادة اليوم؟

بعد أكثر من عقدين على نشرها، تعيد هذه الوثيقة فتح سؤال ما زال حاضراً في الحياة السياسية العراقية: كيف يمكن للمكوّنات العراقية أن تضمن حضورها وحقوقها، وفي الوقت نفسه أن تكون شريكاً كاملاً في بناء الدولة؟

وتكشف العودة إلى خطاب تلك المرحلة أن قضية التمثيل السياسي التركماني لم تكن مرتبطة فقط بعدد المقاعد أو حجم المشاركة الانتخابية، وإنما كانت جزءاً من تصور أوسع لدور التركمان في العراق الجديد، يقوم على المشاركة، والتمثيل، والحضور المؤسسي، والحفاظ على الخصوصية ضمن إطار وطني جامع.

ومن هذه الزاوية، فإن المادة المنشورة في «الدليل» عام 2004 لا تُقرأ بوصفها مجرد تغطية لمحاضرة سياسية، وإنما باعتبارها وثيقة من وثائق تشكل الرؤية السياسية التركمانية في السنوات الأولى للعراق الجديد، وتكشف جانباً من الطريقة التي كان بها الاتحاد الإسلامي لتركمان العراق ينظر إلى موقع التركمان في الدولة ومؤسساتها.

المصدر: جريدة «الدليل»، العدد (59)، السنة الرابعة عشرة، 2004.
القسم: قراءة في الأرشيف
مِداد الدليل — نحفظ الذاكرة، ونقرأها بوعي.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *